دراسة نقدية للاستاذة فداء احمد في نص تاملات ... للناقد محمد زغلال


 دراسة نقدية في : 

تأملات في فضاء  ، مدينة سيدي سليمان.  للشاعر الناقد ، محمد  زغلال 

 من طرف : فداء احمد 


قرأت هذه الرؤية التأملية وكأنني لا أتجول في مدينة، بل أعبر ذاكرة حيّة تتنفس من بين الأزقة والنجوم والصمت. شعرت منذ المقطع الأول أن "سيدي سليمان" في نصك ليست مكانًا جغرافيًا فحسب، بل كائنًا شعريًا له نبضه الخاص، يتشكل من الحلم والحنين والوجع والأمل معًا.

أكثر ما استوقفني هو قدرتك على تحويل التفاصيل البسيطة إلى إشارات إنسانية عميقة. فالأزقة لا تُسلك في النص، بل "تتبع آثارنا"، وكأن العلاقة بين الإنسان والمكان لم تعد علاقة عابرة، بل علاقة تبادل واعتراف متبادل. هنا شعرت أن المدينة تحفظ خطى أبنائها كما تحفظ الأم ملامح أبنائها الغائبين.

وفي المقطع الثاني تحديدًا، وجدت نفسي أمام صورة شديدة الكثافة: "مدينة خارجة من سماء منشطرة". صورة تحمل في داخلها الانكسار والولادة معًا، وكأن المدينة خرجت من شقوق الألم لا لتنهزم، بل لتواصل الرقص فوق جراحها. هذا التوتر الجميل بين الهشاشة والقوة منح النص بعدًا وجدانيًا عميقًا، وجعل المكان يبدو كأنه يقاوم عزلته بالحلم.

أما حديثك عن الأرض التي تملك ألف حكاية، فقد لامسني لأنه جاء خاليًا من الخطابة، وممتلئًا بالإيمان الهادئ بالمكان. كأنك لا تمدح المدينة، بل تنصت إليها. تنصت إلى صمتها، إلى ظلال أهلها، إلى أحلامها المؤجلة التي ما زالت تقاوم النسيان.

وأنا أتابع المقاطع، شعرت أن النجمة تتكرر في النص بوصفها رمزًا خفيًا للأمل والذاكرة. مرةً تحرس الأحلام، ومرةً تحرس الطفولة، ومرةً تصبح شاهدة على ما تبقى من الضوء. وهذا التكرار لم يكن تكرارًا لفظيًا، بل كان خيطًا شعوريًا يربط أجزاء النص ببعضها، ويمنحه وحدة داخلية رقيقة.

وفي المقطع الأخير تحديدًا، وجدت شيئًا من الحزن الجميل. ذلك "العطر اليابس" الذي يسافر في الأزقة بحثًا عن النجوم بدا لي صورة مؤثرة للغاية؛ لأنه يجسد ذاكرة المكان وهي تحاول أن تبقى حيّة رغم التعب، وأن تتحول إلى قصيدة تحفظ ما قد تعجز الأيام عن حفظه.

ما أعجبني أيضًا هو أن لغتك تمضي بإيقاع هادئ يشبه التأمل أكثر مما يشبه السرد. لا تستعجل الفكرة، ولا تدفع الصورة إلى نهايتها، بل تتركها مفتوحة لتتردد في وجدان القارئ. ولهذا شعرت أنني لم أقرأ نصًا عن مدينة، بل عشت لحظات من المصالحة مع المكان، ومع الذكريات التي تسكنه، ومع الأحلام التي لا تزال تنتظر أن تجد نافذتها نحو الضوء.

نصك يفيض بمحبة صادقة للمكان، لكنه يتجاوز حدود الانتماء المحلي ليصبح حديثًا عن كل مدينة تسكن أبناءها بقدر ما يسكنونها، وعن كل ذاكرة تحاول أن تحمي ما تبقى من الضوء وسط اتساع العتمة. 

د / فداء أحمد