مقاربة سيميائية-تأويلية لشعرية المدينة في الزجل عند هاجر باخري


مقاربة سيميائية-تأويلية لشعرية المدينة في الزجل عند هاجر باخري .


دلالة العنوان : 

لم تكن المدينة شكلا هندسيا أو مجسماتٍ من طوبٍ وحجر، بل نصا زجليا متداولا بين الناس بلغة بسيطة في ظاهرها، لكنها مشحونة بالإيحاءات الرمزية والجمالية. فقد جعلت هاجر باخري من المدينة مكانا حيا يحتفظ بأثر الزمن ويحفظ ذاكرة العابرين على هذه الأرض التي تملك ألف حكاية وألف حلم

هذا الفضاء السليماني المزين بالعادات اليومية لأهله، والذي  تتداخل فيه رمزية الذاكرة والتاريخ، تحول إلى تجربة زجلية أزاحت الإطار الجغرافي المحايد، وحولته إلى بنية دلالية قادرة على إنتاج أجوبة لأسئلة مرتبطة بالهوية والانتماء. ومن أجل توسيع أفق القصيدة، تم تحويل المدينة من موضوع للقول إلى فضاء بصري وروحي تتحرك داخله الذات الجماعية بوصفها امتدادا للذاكرة الشعبية. 

1 ـ المدينة باعتبارها ذاكرة حية .

لا يشتغل هذا النص الزجلي على الوصف المباشر للمدينة، بل يعمل على إعادة تشكّلها عبر مجموعة من العلامات التي تفتح في القصيدة أفق التأويل، وتكشف عن شعرية المكان من خلال عناصر رمزية مثل: القمر، النجمة، الأزقة، والذاكرة. فالمدينة هنا ليست فضاء جامدا أو جزءا محايدا من الزمن، بل ذات حية تملك القدرة على الكلام وتنظيم علاقتها بالذاكرة في شكل خطاب سردي متماهٍ مع التحولات التي تعرفها المدينة بوصفها أرشيفا يحتفظ بأصوات الماضي وآثار الغياب.

ويتجسد هذا البعد في قول الزجالة:

 " ف سيدي سليمان تحكي الشوارع

قصص الزمن الماضي والغائب " -

فالشارع هنا لا يتحول إلى مجرد ممر للعابرين، بل يصبح ذاكرة جماعية شعبية تتمتع بوزن رمزي وأخلاقي، ومجالا تتقاطع داخله الحكايات الفردية والموروثة. كما أن العبارة:

 " كل حجر فيه يحكي حكاية " -

تحول الحجر من مادة للبناء والترصيف إلى علامة تختزن التاريخ الإنساني والذاكرة الجماعية. فالزقاق لم يعد مجرد هندسة عمرانية، بل امتدادا للذات، وكأن الإنسان يسير داخل تاريخه الخاص في انسجام مع ما تنتجه الذاكرة من آثار ودلالات. ومن هنا، لا تبدو الأزمة أزمة مكان بقدر ما هي أزمة وجود متشظٍّ داخل الذاكرة، يعجز عن إنتاج هوية خالصة لا تتأثر بتحولات الهامش والزمن. 

2 ـ شعرية الضوء وتمثلات الأمل.

يشكل الضوء داخل الزجلية علامة مركزية تحيل على وجود نص أكثر شمولية وعمقا، إذ يتحول إلى رمز يستدعي كل ما هو عالٍ ومضيء، ويمنح المدينة طابعا جماليا وروحيا. ويتجسد ذلك من خلال صور: ضوء القمر، نجمة السماء، والألحان، وهي عناصر توحي برغبة الزجالة في الارتقاء بالمدينة إلى مستوى كوني يتجاوز حدود المكان الضيق. 

ويتضح هذا التصور من خلال تكرار العبارة:

 " يا مدينة زحل يا نجمة السماء" -

فالنجمة هنا لا تؤدي وظيفة جمالية فقط، بل تتحول إلى علامة رمزية على الخلاص من العتمة، حتى تبقى الذاكرة محمية من الانطفاء. كما يخرج القمر والنجمة من دلالتهما الطبيعية إلى وظيفة رمزية تقوم على حراسة الذاكرة الجماعية، حتى وإن بدا الضوء غير مكتمل والمعرفة متعبة. فالغاية الأساسية هي حماية الذاكرة من الضياع والتلاشي. 

3 ـ الأزقة بوصفها فضاءً للهوية الشعبية .

تقول الزجالة:

 " الأزقة تغني صوت الأصيل " -

فالزقاق هنا لا يظهر بوصفه عنصرا زخرفيا يزين المدينة، بل فضاء شعبيا مؤسسا للهوية الثقافية والموروث السليماني. إذ يستمد الزقاق طاقته الحيوية من شغب ساكنيه، ومن هذه الموسيقى المتنوعة والصخب اليومي المنبعث من تفاصيل الحياة البسيطة.

لقد أصبح الإيقاع الفوضوي للأزقة جزءا من بنية الذاكرة الشعبية التي تحافظ على أصالة المكان في مواجهة النسيان والتلاشي. وبهذا المعنى، يتحول الزقاق إلى فضاء يحتضن الموروث الثقافي المتأثر بالأحداث الإنسانية والتحولات الاجتماعية، مما يمنحه بعدا دلاليا يتجاوز وظيفته العمرانية العادية. 

4 ـ البعد الموسيقي في النص الزجلي .

تقوم هذه الزجلية على بعد إيقاعي داخلي ناتج عن تكرار الجمل القصيرة والهمس الغنائي المنبعث من ياء النداء:

 " يا مدينة زحل يا نجمة السما"

 "يا سيدي سليمان نغمة وفن " -

فهذا التكرار يشكل لازمة إيقاعية تسهم في ترسيخ صورة المدينة داخل الوعي الشعبي، كما يمنح النص طابعا إنشاديا ينسجم مع الخصوصية الشفوية للزجل.

وترتبط مدينة سيدي سليمان، داخل النص، بعلاقة تجمع بين النغمة والفن من خلال تراثها اللامادي الموسوم بالأبعاد الروحية والجمالية، حيث تكتسب المدينة طابعا فنيا يجعلها فضاءً للإبداع والتعبير عن وجدان ساكنتها. 

5 ـ سيمياء الغياب واستحضار الماضي .

يتجلى الغياب في الزجلية من خلال العبارة:

 " قصص الزمن الماضي والغائب " -

فالغياب هنا لا يحضر بوصفه علامة على الفقد فقط، بل باعتباره آلية لاستحضار الماضي وإعادة بنائه داخل الذاكرة الجماعية. فالقصص التي يتقاسمها الماضي والغياب تتحول إلى كائن صوتي يملأ المدينة بالندوب والحكايات الإنسانية التي يصعب محو أثرها.

ومن داخل الأزقة البسيطة، تستعيد الذات الجماعية أحلامها العابرة التي طبعها أثر الغياب، لتصبح المدينة فضاءً تتداخل داخله الذاكرة بالحلم، والحضور بالفقدان، في إطار رؤية زجلية تمنح للمكان بعدا إنسانيا وتأويليا عميقا.


محمد زغلال

شاعر وناقد .