دراسة سيميائية - تأويلية لتفكيك الموروث الشعبي اللامادي ، بمنطقة الغرب


 


1- تمهيد نظري

ينبغي التحلي بقدر عالٍ من الدقة والوعي المنهجي في التمييز بين المفاهيم المرتبطة بالموضوع الشعبي، ذلك أن دراسته تستلزم إجراءات تحليلية قائمة على تقييم فعلي، جاد ومسؤول، لدلالات الممارسات الثقافية المتداولة.

وإلا فإن الباحث قد يجد نفسه أسير تصورات فطرية جاهزة، ومنغلقة، تعجز عن الفصل بين المعطيات ووظائفها داخل النسق الثقافي.

من هذا المنطلق، لا يمكن الركون إلى منطق التخمين أو التعميم في مقاربة المفاهيم المرتبطة بالموروث الثقافي اللامادي بمدينة سيدي سليمان، لأن ذلك يفضي غالباً إلى نتائج شكلية، تبدو ممتلئة في ظاهرها، لكنها في العمق تظل فارغة، ومشحونة بتمثلات عامة تُسهم في تكريس الغموض بدل تبديده. 


أ- المشروع

تندرج هذه الدراسة ضمن أفق الاشتغال على المفاهيم المرتبطة بـ«التراث الثقافي اللامادي» في منطقة الغرب، بوصفه جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الشاملة للتراث اللامادي المغربي، كما تؤطره مرجعيات اليونسكو.

وقد اخترنا، منهجياً، الانتقال من العام إلى الخاص، عبر التركيز على سياق محلي دقيق، يتمثل في إعادة تركيب البنيات الدلالية للممارسات التراثية داخل منطقة الغرب، بالنظر إلى ما يميزها من تعدد في الهويات والروافد الثقافية.

وهو ما يجعل مفهومي «التراث الثقافي اللامادي» و«الموروث الثقافي اللامادي» متداخلين، لكنهما قابلان للتفكيك والتحليل ضمن سياقات الاستعمال. 


ب- الدراسة

تتمحور هذه الدراسة حول:

«قضايا الموروث الثقافي اللامادي بمنطقة الغرب شراردة بني احسن ورهانات المجال الثقافي».

تتميز مدينة سيدي سليمان بخصوصية ثقافية مركبة، ناتجة عن تعدد روافدها البشرية وتنوع حمولاتها الرمزية والفنية.

ولا يتعلق الأمر هنا بثقافة قروية خالصة، بقدر ما هو تعبير عن تشكل ثقافي حضري–قروي هجين، يمكن رصده من خلال المستويات التالية:

ثقافة قروية في طور التحضر:

نشأت بفعل ارتباط الضواحي بالمجال الحضري، مما أفرز أنماطاً معيشية هجينة.

ثقافة ناتجة عن التلاقح:

تعكس تفاعلات متعددة بين عادات وممارسات مختلفة لسكان المدينة.

ثقافة متعددة الهويات:

تتقاطع فيها روافد متنوعة (غرباوية، حسناوية، أمازيغية، صحراوية، ريفية، جبلية، سوسية...)، تشكلت بفعل عوامل اقتصادية واجتماعية (العمل، الاستقرار، التجارة...). 

وفي هذا السياق، يبرز الطابع الفلاحي–الاجتماعي كأفق عام مهيمن على منطقة الغرب، حيث أفرزت الممارسات اليومية المرتبطة بالأرض والعمل الجماعي أنماطاً من التضامن الاجتماعي، أسهمت في بناء ذاكرة جماعية غنية، تجسدت في طقوس وعادات متداولة بين مختلف هذه المكونات.

ومن ثم، يمكن الحديث عن موروث ثقافي شعبي ذي طبيعة جماعية، تشكل عبر التفاعل المستمر بين الإنسان ومحيطه، وبين الجماعة وذاكرتها. 


ج- المنهج

انطلاقاً من الصعوبات المرتبطة بتحديد منهج قادر على الإحاطة بتعقيد الممارسات الثقافية الشعبية، خاصة في ظل غياب توثيق إثنوغرافي منظم، أو دراسات علمية دقيقة صادرة عن مختصين، كان لزاماً اختيار مقاربة تتجاوز الوصف السطحي نحو الفهم العميق.

لذلك، تم اعتماد المنهج السيميائي–التأويلي، بما يتيحه من إمكانات في قراءة الممارسات الثقافية بوصفها أنساقاً دلالية، قابلة للفك والتركيب والتأويل.

فالمادة التراثية في هذا السياق ليست غائبة، بل هي حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية، ومتداولة بين الأفراد والجماعات، ومجسدة في ممارسات يومية وطقوس رمزية.

غير أن هذا الحضور يظل في معظمه غير مؤطر علمياً، مما يجعل الاشتغال التأويلي ضرورة منهجية لفهم دلالاته العميقة.

ومن خلال هذا التفاعل بين الذاكرة والممارسة، يتشكل موروث شعبي لامادي غني، قابل للتداول بوصفه مفهوماً ثقافياً مفتوحاً على تعدد التجارب والتأويلات. 


2- تحديد المتن (أو الظاهرة)

أ- موضوع الدراسة

التراث الثقافي اللامادي

التراث الشعبي اللامادي

الموروث الثقافي اللامادي

(مع ضرورة التمييز المفاهيمي بينها داخل الدراسة)

ب- المجال المكاني

منطقة الغرب

سهل الغرب

مدينة سيدي سليمان


ج- المجال الزمني 

يمتد هذا الموروث ضمن زمن ثقافي مفتوح، غير محصور في حدث أو فترة زمنية محددة، بل يتشكل عبر تراكم تاريخي طويل، يتداخل فيه الماضي بالحاضر. 


3 – تقديم المتن: ما هو التراث اللامادي؟

أ – التراث

حين نتحدث عن التراث في شكله الراهن بمدينة سيدي سليمان، فإننا نحيل إلى مفهوم شمولي يتجاوز مجرد ما ورثناه عن الأسلاف، ليشمل كل ما استمر في الحاضر بوصفه أثرًا ماديًا أو ممارسةً رمزيةً حية. فالتراث، في هذا السياق، ليس بقايا جامدة من الماضي، بل هو بنية دينامية تتجدد داخل الوعي الجماعي.

ويتجلى التراث المادي في مختلف الآثار والبنايات والوثائق والمخطوطات، ومن أمثلته المحلية: معاصر الكروم، معامل تلفيف الحوامض، معمل السكر، ومحطة القطار. وهي فضاءات شكلت في مرحلة معينة ذاكرة اقتصادية وصناعية للمدينة، وقد اندثر معظمها أو تحول، باستثناء بعض البنايات التي أعيد توظيفها، مثل الكنيسة التي تحولت إلى مركز ثقافي، في انتقال دلالي من الوظيفة الدينية إلى الوظيفة الثقافية.

أما التراث اللامادي، فيتجلى في العادات والتقاليد المرتبطة بالأعراس والحفلات والمواسم، وفي زيارة الأضرحة، فضلًا عن المعارف المكتسبة الناتجة عن تلاقح اللهجات، وممارسات "لامة الطلبة"، وثقافة الفرجة المرتبطة بـ"الحلقة". كما يتجسد في الفنون الشعبية المحلية مثل: الهيت، والأهازيج، وأشكال الفلكلور المختلفة. 

وانطلاقًا من هذه المعطيات، يتضح أن جهة الغرب شراردة بني احسن تزخر برصيد تراثي غني يعكس حياة الساكنة بمختلف تمثلاتها، ويجسد قدرتها على إنتاج المعنى الثقافي وإعادة تشكيله. فالتراث هنا ليس مجرد ماضٍ محفوظ، بل هو روح متجددة، وذاكرة فاعلة، وأفق إبداعي مفتوح.


ب – التراث اللامادي

يمكن النظر إلى التراث اللامادي باعتباره منظومة رمزية حية، تتكون من ممارسات وتمثلات تتجدد باستمرار بفعل الزمن والتحولات الاجتماعية والثقافية. وهو لا يُختزل في كونه موروثًا ثابتًا، بل يتشكل عبر التفاعل اليومي للساكنة مع محيطها، سواء من خلال الطقوس أو التعبيرات الشفوية أو الفنون الأدائية.

وفي هذا الإطار، يغدو التراث اللامادي مجالًا لإعادة إنتاج الهوية الجماعية، حيث تسهم المؤسسات الثقافية والفنية، إلى جانب الممارسات الشعبية، في حفظه ونقله وتحويره، بما يضمن استمراريته داخل سياقات متغيرة. 


ج – الموروث اللامادي

يشير الموروث اللامادي إلى ذلك الرصيد الشعبي الذي تشكل بوسائل بسيطة وتلقائية، عبر ممارسات الأفراد والجماعات، ليصبح وعاءً جامعًا للعناصر الثقافية المنقولة عبر الأجيال. وهو، بهذا المعنى، ليس مجرد تقاليد متوارثة، بل نظام دلالي يعكس رؤية الجماعة للعالم.

وتتجلى أهميته في كونه مرتبطًا بالحياة اليومية، داخل الأسرة والقبيلة، من خلال عادات وممارسات شفوية غير ملموسة. لذلك، فإن الحفاظ عليه لا يعني تجميده، بل يستدعي إعادة إنتاجه وتكييفه مع التحولات، حتى يظل عنصرًا فاعلًا في تشكيل الهوية.


4 – الوصف الكثيف للموروث اللامادي

نظرًا للطبيعة الفلاحية لسهل الغرب، فإن الموروث اللامادي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمجال الزراعي، حيث تتشكل العادات والتقاليد ضمن نسق من الممارسات اليومية التي تتداخل فيها الوظيفة العملية مع الدلالة الرمزية. 

1 – الحرث والحصاد نموذجًا

لا يُفهم الحرث هنا باعتباره مجرد فعل تقني مرتبط بالأرض، بل بوصفه ممارسة ثقافية مركبة، تشمل الأدوات (كالحمير والبغال والمحراث الخشبي)، وأنماط تنظيم العمل، والسلوكيات المصاحبة له.

فالحرث يتضمن:

علاقة الفلاح بالدواب (بوصفها شريكًا في الإنتاج)

طريقة بذر البذور وتنظيم الجهد

الخطاب المتداول بين الأفراد، بل وحتى بين الإنسان والحيوان

الإشارات الحركية التي تؤسس لفهم ضمني مشترك

كما تحضر الأغاني الشعبية المرتبطة بهذه اللحظة، لتؤطر الحالة النفسية للفلاح، وتربط العمل بالذاكرة الجماعية، في تداخل واضح بين الوظيفة الإنتاجية والبعد الرمزي. 

2 – الحصاد

يُعد الحصاد مرحلة مركزية في الدورة الفلاحية التقليدية، خاصة قبل دخول المكننة. إذ يعتمد الفلاح على أدوات بسيطة، مثل المنجل، مع استخدام وسائل تقليدية لحماية اليد، كقطع القصب.

غير أن البعد اللامادي يتجلى أساسًا في:

الطابع الجماعي للعمل (نظام "التويزة")

الأغاني والأهازيج المصاحبة

القيم الاجتماعية المرتبطة بالتعاون والتضامن

فالحصاد هنا ليس مجرد جني للمحصول، بل هو طقس جماعي يعيد إنتاج روابط الانتماء داخل الجماعة.  

3 – الدرس

تمثل مرحلة "الدرس" لحظة انتقالية في معالجة المحصول، حيث يتم نقل السنابل إلى "البيدر" أو "الرحبة". وتعتمد هذه العملية على الدواب التي تدور فوق السنابل لفصل الحبوب عن التبن.

وتتميز هذه المرحلة بـ:

طقس حركي منظم تقوده خبرة الفلاح

تنسيق دقيق بين الفاعلين (من يقود الدواب ومن يوزع السنابل)

اعتماد شروط طبيعية (كالحرارة) لإنجاح العملية

وهنا يتداخل الطبيعي بالثقافي، حيث تتحول التقنية إلى ممارسة ذات بعد رمزي. 

4 – التذرية

تُعد التذرية مرحلة دقيقة تعتمد على معرفة زمنية خاصة، إذ يختار الفلاح لحظات هبوب الرياح (غالبًا منتصف النهار أو بعد العصر) لفصل الحبوب عن التبن.

وتستعمل في ذلك أدوات تقليدية مثل "اللوح"، مع مهارة في توظيف العناصر الطبيعية. وتعكس هذه العملية:

معرفة بيئية متوارثة

علاقة دقيقة بالإيقاع الطبيعي

خبرة تراكمية تنتقل شفويًا بين الأجيال

خلاصة تحليلية 

إن هذه الممارسات الزراعية، رغم طابعها العملي، تكشف عن عمق التراث اللامادي، حيث تتجلى في:

العادات والتقاليد

الطقوس المصاحبة للعمل

الأغاني والأهازيج

أنماط التعاون الجماعي

وهي بذلك لا تعكس فقط نشاطًا اقتصاديًا، بل تشكل نظامًا رمزيًا يعزز الإحساس بالهوية والانتماء، ويؤكد أن التراث اللامادي ليس مجرد موروث من الماضي، بل هو بنية حية تُعاد صياغتها داخل الحاضر. 


5 - التحليل السيميائي وتأويل الصيغ الأدائية في الأعراس

أ - الأعراس بوصفها نسقًا دلاليًا جماعيًا

يشكّل العرس في منطقة الغرب شراردة بني احسن أكثر من مجرد مناسبة اجتماعية، إذ يتحول إلى نسق رمزي مركّب تتقاطع فيه القيم الجماعية والتمثلات الثقافية. فهو حدث يؤسس لروابط القرابة والتحالف بين العائلات، سواء داخل القبيلة أو خارجها، ويُجسّد في الآن ذاته قيم الكرم، والتضامن، وحسن الاستقبال.

ولا يُفهم هذا الحدث بوصفه احتفالًا عابرًا، بل باعتباره ممارسة جماعية مؤطرة بعادات راسخة، حيث ينخرط أفراد القرية في دينامية تضامنية تُعيد إنتاج الانتماء الجماعي وتُرسّخ الذاكرة الثقافية المشتركة.

ب - العلامة ودلالاتها: "العلام" كنظام إشاري

يُعدّ "العلام" من أبرز العلامات السيميائية الدالة على بداية الطقس الاحتفالي، ويتمثل في غصن من القصب تعلوه خرقة بيضاء مرفوقة بحزمة من النعناع. 

ولا تقتصر وظيفة هذه العلامة على الإخبار بوجود عرس، بل تتجاوز ذلك لتؤدي وظيفة إشارية وإعلانية، تجعل من الفضاء الخارجي امتدادًا للفرح الداخلي. فهي بمثابة خطاب بصري موجّه إلى الجماعة، يُعلن عن انتقال البيت من وضعه اليومي إلى وضع احتفالي استثنائي.

ج - تفكيك مكونات "العلام" دلاليًا

1 - القصبة (القصب):

ترمز إلى الامتداد والاستمرارية، وكأنها تعلن عن انبثاق حياة جديدة، بما يحيل على البعد التناسلي والاستمرارية الاجتماعية.

2 - الخرقة البيضاء:

تحمل دلالات متعددة، أبرزها النقاء، والعفة، والصفاء، وهي في المتخيل الشعبي تحيل إلى شرف العروس وأصالة انتمائها. كما تؤدي وظيفة رمزية في إعلان "طهارة" البداية الجديدة.

3 - النعناع (اللون الأخضر):

يرمز إلى الخصوبة، والحياة، والتفاؤل، والسلام، وهو بذلك يُضفي على العلامة بُعدًا حيويًا يربط بين الطبيعة والإنسان، ويؤكد أفق الاستمرار والنماء. 

د - الهدية: من المادي إلى الرمزي

تُقدَّم الهدايا خلال العرس في شكل مواد بسيطة مثل السكر، والزيت، والخبز، غير أن قيمتها لا تُقاس بماديتها، بل بوظيفتها الرمزية.

فالهدية هنا تتحول إلى علامة على التضامن والتكافل الاجتماعي، وتُجسّد شبكة العلاقات التي تربط أفراد الجماعة. إنها تعبير عن اقتصاد رمزي قوامه العطاء المتبادل، حيث تُستثمر المادة في خدمة المعنى.

هـ - الأجساد، اللباس، والأداء: جمالية التمثيل الرمزي

يحضر الجسد في العرس باعتباره حاملاً للعلامة، من خلال:

اللباس التقليدي (الجلابة، القفطان، الشربيل)

الحلي (المضمة، الأساور، الخواتم…)

وهي عناصر لا تُختزل في بعدها الزيني، بل تؤدي وظيفة دلالية تُبرز المكانة الاجتماعية وتُعيد إنتاج صورة الأنوثة داخل النسق الثقافي. 

كما تتجلى الصيغ الأدائية في:

الرقصات الشعبية

الأغاني الجماعية

الزغاريد

وهي كلها أشكال تعبيرية تُحوّل الفرح إلى خطاب جماعي مسموع ومرئي.

و - طقوس العروس: من الزينة إلى العبور الرمزي

1 - ليلة الحناء:

تمثل طقسًا انتقاليًا بامتياز، حيث يتم نقش جسد العروس بالحناء في أجواء احتفالية. وتحمل هذه النقوش دلالات الحماية، والتفاؤل، وجلب الحظ، مما يجعل الجسد مجالًا لكتابة رمزية تُعلن عن التحول من حالة إلى أخرى. 

2 - النكّافة:

تضطلع بدور الوسيط الثقافي، إذ لا تقتصر وظيفتها على تزيين العروس، بل تقوم بنقل التراث اللامادي وتجسيده عبر اللباس والأغاني، مما يجعلها فاعلًا أساسيًا في إعادة إنتاج الذاكرة الجماعية.

3 - ليلة الدخلة:

تمثل لحظة ذروة في الطقس، حيث تتقاطع التمثلات المرتبطة بالشرف، والرجولة، والبكارة. وهي ليست مجرد واقعة فردية، بل بنية رمزية تعكس تمثلات المجتمع حول الجسد والهوية، وتُبرز سلطة الأعراف في توجيه السلوك الجماعي. 


6 - الهيت بين التأويل وإنتاج المعنى

لم يكن “الهيت” مجرد ممارسة موسيقية حظيت باهتمام الطبقات الشعبية، ولا يمكن اختزاله في كونه فرقًا محلية يقودها فرد متمرّس عبر حركات وأصوات تبدو في ظاهرها مرتجلة.

إن هذا التصور، رغم وجاهته الوصفية، يظل قاصرًا عن إدراك العمق السيميائي لهذه الظاهرة.

فالهيت، من منظور تأويلي، نسق دلالي لامادي يتجاوز حدود الأداء إلى كونه بنية رمزية قادرة على إنتاج المعنى داخل الجماعة. وتتجلى قوته في كونه خطابًا فنّيًا يتقاطع فيه الإيقاع مع الذاكرة الجماعية، حيث تتحول الممارسة إلى علامة مركبة (حركية/صوتية/وجدانية) تُسهم في تفريغ التوتر الاجتماعي وإعادة تشكيل التوازن النفسي والرمزي للفرد داخل الجماعة.

بهذا المعنى، لا يُفهم الهيت كفن فقط، بل كـ آلية تأويلية جماعية تُعيد من خلالها الذات الشعبية قراءة ذاتها والعالم المحيط بها. 

7 - تقييم دلالة الممارسات البانية للهيت

1 - من هو “الهيّات”؟

الهيّات ليس مجرد مؤدٍّ، بل هو فاعل سيميائي مركزي داخل النسق. إنه ذات منتجة للعلامة، يمتلك قدرة خاصة على تحويل التجربة الشعورية إلى خطاب أدائي.

تتجلى وظيفته في كونه وسيطًا بين البنية العميقة (الوجدان الجماعي) والبنية السطحية (الأداء)، حيث يقوم بتكييف خطابه وفق تفاعل الجمهور، عبر آليات مثل الارتجال، والانزياح، والخروج عن النسق الجاهز.

إن استجابة الجمهور لا تُعد عنصرًا ثانويًا، بل تمثل مرجعًا تداوليًا يساهم في إعادة تشكيل النص أثناء أدائه، مما يجعل الهيت خطابًا مفتوحًا وقابلًا للتحول. 

2 - الهيت الغرباوي

يرتبط الهيت الغرباوي بسياق سوسيو-ثقافي خاص بجهة الغرب، وخاصة المجال القروي الحسناوي، حيث نشأ كاستجابة رمزية لمعاناة جماعية وتجارب معيشة.

ومن ثم، يصعب اعتباره بنية مستقلة، لأنه في جوهره نتاج تراكمي لممارسات ثقافية تشكّلت عبر الزمن.

إن الحركات الصوتية والأدائية التي يعتمدها، ليست اعتباطية، بل تمثل علامات دالة تحيل على منظومة من القيم والتمثلات المرتبطة بالهمّ الشعبي، مما يجعل الهيت نصًا ثقافيًا مشبعًا بالدلالات.

3 - ماذا يعني الهيت؟

لا يقدم الهيت معنى جاهزًا أو مغلقًا، بل يشتغل كـ نص سمعي مفتوح، تتعدد دلالاته بتعدد سياقات الأداء والتلقي.

وهو، بهذا المعنى، يجمع بين الزجل، والغناء، والتعبير الجسدي، في إطار جماعي يتيح إنتاج المعنى بشكل تفاعلي.

إن دلالته لا تكمن في الكلمات فقط، بل في العلاقة بين الصوت والحركة والإيقاع، أي في البنية الكلية للعلامة. 

4 - الأداء كفضاء تراثي لامادي

يمثل الأداء في الهيت فضاءً سيميائيًا متكاملًا، حيث تتحول الحركة إلى لغة، والصوت إلى دلالة، والإيقاع إلى نظام تنظيمي للمعنى.

فالخصوصية اللهجية، وأنماط الأداء، والأصوات المستعملة، كلها عناصر تشكّل شفرة ثقافية مرتبطة بالمجال الغرباوي.

كما أن الانسجام بين الحركة والموسيقى لا يعكس فقط مهارة الهيّات، بل يدل على كفاءة تداولية تمكّنه من نقل الخطاب من مستوى التنظير الضمني إلى مستوى التجسيد العملي.

5 - النص (الكلمات في الهيت)

- ضعف التوثيق

رغم غياب التدوين، لا يمكن اعتبار نص الهيت مجهولًا، بل هو نص جماعي التداول، يتشكل عبر التراكم والممارسة.

إنه نموذج لما يمكن تسميته بـ”النص الشفهي المتحوّل”، الذي يُعاد إنتاجه في كل أداء.

وقد انتقل هذا التراث عبر آليات مثل السماع والمسامرة (القصّارة)، مما يجعل الذاكرة الجماعية وسيطه الأساسي. 

- إشكالية التقعيد

من أبرز التحديات التي تواجه الهيت غياب التقعيد النظري، إذ لا توجد قواعد مضبوطة تنظّم بنيته، بل يعتمد أساسًا على الممارسة والتجربة.

غير أن هذا “الغياب” يمكن تأويله سيميائيًا باعتباره انفتاحًا بنيويًا يسمح بالتجدد والاستمرارية، بدل اعتباره نقصًا.

6 - رهانات الحفظ

إن الحفاظ على الهيت لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الممارسة، بل يتطلب إدماجه في أفق البحث العلمي، من خلال دراسات توثيقية وتحليلية تعيد الاعتبار للفنون الشعبية بوصفها أنساقًا دلالية قائمة بذاتها. 

7 - رهانات الهوية

لا يمكن اختزال دراسة الهيت في مقاربات خارجية فقط، لأن فهمه يقتضي الجمع بين:

المعرفة الداخلية (الممارسة والخبرة)

والمعرفة العلمية (التحليل والتفسير)

فالهيّات، بحكم تجربته، يمتلك معرفة ضمنية بطبيعة هذا الفن، بينما يتيح المتخصص—خصوصًا في علم النفس—فهم أعمق لآليات التأثير والانفعال، من خلال تحليل السلوك، والإشارات، وأنماط التفاعل.

ومن هنا، فإن دراسة الهيت تقتضي مقاربة متعددة التخصصات، تكشف عن علاقته بالذاكرة، والهوية، والبنية النفسية للجماعة. 

خلاصة تركيبية

يتبين من خلال هذا التحليل أن الهيت ليس مجرد تعبير فني شعبي، بل هو نسق سيميائي معقّد تتداخل فيه العلامة الصوتية والحركية مع البعد النفسي والاجتماعي.

كما أن فهم هذا النسق يظل رهينًا بفهم “الهيّات” باعتباره الفاعل المركزي في إنتاج المعنى.

وعليه، فإن الهيت يشكّل أحد أبرز تجليات التراث اللامادي، حيث يساهم في تشكيل السلوك الجماعي وإعادة إنتاج الهوية داخل المجتمع، من خلال آليات أدائية تتجاوز حدود اللغة إلى فضاء الدلالة العميقة. 


محمد زغلال . 

سيدي سليمان .