مقاربة سيميائية - تاويلية لقصيدة > لحظات معراج < للشاعرة خديجة بوعلي .
مقاربة سيميائية - تاويلية لقصيدة < لحظات معراج > للشاعرة خديجة بوعلي .
-- تمهيد منهجي : من التداول إلى السيمياء
تندرج هذه الدراسة ضمن أفق القراءة السيميائية- التأويلية لقصيدة " لحظات معراج " . على نص بمتابة بنية دلالية مفتوحة يتداخل فيها ، المكاني بالزماني، الذاتي بالجماعي، اللغوي بالجسدي. لأن النص يكتسب أفقا مفتوحا للمعنى لا ذروة مغلقة له . فالعناصر اللغوية لم تكن أبدا مجرد إحالة محايدة ، بل علامات منتجة للمعنى .
[أذكُر]
يفتح فعل «أذكرك» في هذا المقطع أفقاً دلالياً يتجاوز الاستحضار الذهني العابر، ليغدو ممارسة وجودية تُقاوم النسيان وتعيد تشكيل الغياب داخل الذاكرة. فالذكر هنا لا يُحيل إلى حضور مكتمل، بل إلى غياب مُعاد إنتاجه عبر تمثلات لا ملامح ثابتة لها، كأن الشاعرة تستدعي شخصاً لم يُمحَ من الوجدان، لكنه لم يعد قابلاً للإقامة الكاملة في الحاضر. إن هذا الاستدعاء المشروط يشي بتوتر أخلاقي داخلي، يجعل من التذكّر فعلاً محفوفاً بالقلق، لا رغبة في الاستعادة بقدر ما هو محاولة لترتيب شظايا الذاكرة قبل أن تتآكل صورها أو تتبدد في اللاشيء.
تُبنى القصيدة، في هذا السياق، على وحدات شعورية متماسكة، يتداخل فيها الحاضر بالغائب، حيث تعتمد الشاعرة استراتيجية الإيحاء بدل التعيين، فتستفز المتلقي عبر صور شعرية متحركة وأفكار مُربِكة، تدفعه إلى الدخول في لعبة دلالية لا تمنحه يقيناً نهائياً. إن الغائب/«أنت» لا يظهر بوصفه ذاتاً مكتملة، بل كأثر لغوي، كنفحة عطر، أو كموج شرود، أو كمعزوفة داخلية، أي بوصفه حضوراً حسياً منزوع الهوية الاسمية.
ويتأكد هذا الاختيار الجمالي من خلال غياب أي إحالة اسمية أو وصفية مباشرة، كما في قولها:
«لك في النبض همس ذكرى
لك في بهو الروح شدو المنى»
حيث يتحول الغائب إلى مركز شعوري يهيمن على بنية الخطاب دون أن يُفصح عن نفسه. وبهذا، تحقّق الشاعرة حرية سردية كاملة، تُعبّر من خلالها عن أحاسيسها دون أن تترك للقارئ فرصة إسقاط أحكام جاهزة أو بناء يقين تأويلي مغلق.
ورغم تعدد السرديات الجزئية داخل النص، يظل «قفل الذاكرة» موصداً، فلا ينكشف سبب هذا التملّك العميق للغائب للقلب والوجدان. إن «أنت» تهيمن على الصيغ التعبيرية كافة، لكنها تبقى عصيّة على التحديد، وكأن القصيدة تُصرّ على إبقاء الغائب داخل النص فقط، دون أن تسمح له بالتحقق خارجه. وهنا يبرز السؤال المؤجل، بوصفه سؤالاً نقدياً مشروعاً: ما مصير هذا الغائب خارج حدود اللغة؟ وهل للذاكرة أن تمنحه حياة أخرى غير التي تخلقها القصيدة؟
【 المحور الأول 】 : الضمير في الخطاب الشعري - من الوظيفة النحوية إلى التفاعلية التداولية
¹-- الكاف في( أذكرك ) من لاحقة صوتية إلى بؤرة دلالية .
تقول الشاعرة خديجة بوعلي في قصيدتها «لحظات معراج»:
أذكرك
ما زلتُ هاهنا… أذكرك
صهوةُ ريحٍ أنت… في غيهب التيه
موجُ شرودٍ أنتَ عاتٍ… أعتليه
ينفتح هذا المقطع على إشكالية مركزية تتعلّق بوظيفة الضمير في بناء الخطاب الشعري، لا بوصفه أداة إحالة لغوية فحسب، بل باعتباره آلية استحضار دلالي تُنتج علاقة مركّبة بين الحضور والغياب.
فإذا نظرنا إلى الكاف في فعل «أذكرك» بوصفها لافظًا صوتيًا معزولًا، فإنها تظل محايدة دلاليًا، بلا وظيفة تُذكر. غير أن هذه الكاف لا تلبث أن تكتسب معناها من خلال علاقتها بالفعل «أذكر»، فتتحول من لاحقة صوتية إلى ضمير يحيل على غائب هو بؤرة الخطاب الشعري وهدف التلفظ. وبهذا الانتقال، تغدو الكاف عنصرًا فاعلًا في بنية المنطوق، لا موضوعًا للاشتغال في ذاتها، بل بما تؤديه داخل شبكة العلاقات النصية.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: ما طبيعة العلاقة التفاعلية بين «أذكر» و«الكاف»؟
² -- ثبات المرجع وتكاثر التمثلات
يمكن رصد احتمال أول، تُحافظ فيه القصيدة على ثبات المرجع المخاطَب، حيث تتوالى الصيغ: أذكر[ك]، صهوة ريح [أنت]، موج شرود [أنت].
في هذا السياق، تتحول الكاف من لاصق مرتبط بالفعل إلى ضمير مستقل يُعاد إنتاجه عبر صيغة «أنت»، ليظل المخاطَب واحدًا، وإن تعددت تمثلاته المجازية. فالغياب هنا ثابت، بينما تتكاثر صوره داخل النسيج الشعري.
³ -- تداخل المرجعيات " أعتليه " نموذجا
أما الاحتمال الثاني، فيتجلى في العبارة:
«موج شرودٍ أنتَ عاتٍ… أعتليه»،
حيث تنفتح البنية الضميرية على تداخل مرجعي لافت. فـالياء في «أعتليه» تعود على ذات الشاعرة المتكلمة، بينما تشير الهاء إلى «الموج الشرود» بوصفه تمثيلًا للغائب. وبهذا يصبح الفعل مركبًا من ذات فاعلة تحضر لغويًا، وغائب يُستعاد بوصفه محمولًا رمزيًا تُمارَس عليه فعلية الارتقاء.
هنا لا يعود الغائب مجرد موضوع للذكرى، بل يتحول إلى فضاء تتقاطع فيه الذات والآخر، فيحدث تبادل أدوار يجعل من «أنا» و«أنت» عنصرين داخل نسق واحد، لا قطبين متقابلين.
⁴ -- الضمير وسيطا للاندماج الوجداني
وانطلاقًا من هذا التصور، يمكن القول إن «أنا» و«أنت» يؤديان دور الوسيط التداولي بين المرسِل والمرسَل إليه، ضمن بنية خطابية لا تكتفي بنقل الرسالة، بل تسعى إلى تحقيق الاندماج الوجداني. فالخطاب هنا لا يمرّ عبر الضمائر، بل يتكوّن بها.
ويتعزز هذا المعنى عند الانتقال إلى عبارة:
«ما زلتُ هاهنا… أذكرك»،
حيث تفتح صيغة الفعل على أفق زمني–دلالي مزدوج. فإذا كانت التاء مضمومة في «ما زلتُ»، فإن ذلك يدل على أن الغياب محصور في الذاكرة، لا في الوجدان. فكأن الشاعرة تعترف للغائب بأن حضوره لا يزال قائمًا في تفاصيل الأشياء، وفي طريقة النظر إليها، كما لو أن الذاكرة تمارس فعل الامتلاك الهادئ، دون قهر أو استعلاء فجّ، بل عبر استحضار رمزي يجعل الغائب ملكية شعورية مشاعة.
أما إذا قُرئت التاء منصوبة، فإن الدلالة تنفتح على حضور مزدوج: حضور في الزمان والمكان، وحضور في القلب والذاكرة معًا. وهنا يغدو القلب محفزًا للذاكرة، يدفع الخطاب من مستوى السرد المحسوس إلى مستوى اللمس الوجداني. وبهذا تتبنى الشاعرة خطابًا مزدوجًا، يقوم على شفرة تواصلية خفية بين متكلم حاضر ومخاطب غائب، يتحقق فيه ما يمكن تسميته بـالحضور في الغياب.
【 المحور الثاني】 : ( الكاف ) بوصفها أداة غياب منتجة للمعنى
إذا كان حرف الكاف في فعل «أذكرك» لا يشتغل بوصفه أداة لغوية محايدة، ولا كعنصر صرفي يبحث عن شرعية حضوره داخل النسق المعجمي للقصيدة، فإنه يتحول إلى علامة دلالية مشحونة، مرتبطة بغيابٍ فاعلٍ لا يتجلى في الواقع المباشر، بل في الذاكرة والوجدان. فالكاف هنا لا تحيل فقط على مخاطَبٍ غائب، بل تؤسس علاقة خطابية مباشرة بين ذات متكلمة (أنا/الشاعرة) وذات مستحضَرة (أنت/الغائب)، بما يجعلها أداة إنتاج للمعنى، لا مجرد وسيط نحوي.
بهذا المعنى، تغادر الكاف حيادها الوظيفي لتصبح بؤرة دلالية تُسهم في تفكيك الصورة الشعرية، وتعيد تنظيم شبكة الإشارات الدقيقة داخل بنية النص. فهي لا تكتفي بالإحالة، بل تمارس فعلًا رمزياً يعيد تشكيل العلاقة بين اللغة والغياب، ويمنح للأشياء المجردة قابلية التشخيص والخروج من رتابة الاستعمال التداولي، كما في:
(الصهد، القيظ، الليل، النور، الأدغال، الظلال، الشلالات)،
حيث تتحول هذه المفردات من عناصر وصفية إلى كائنات حسية فاعلة في بناء التجربة الشعرية.
¹ -- ( الكاف ) من الوظيفة النحوية إلى الفعل الرمزي .
مهما تعددت هوية الضمير (ك) من حيث انتماؤه النحوي أو الصرفي، فإن فاعليته لا تتجلى في طبيعته الآلية كأداة، بل في قدرته على خلق توازن داخلي بين علائق المنظومة اللغوية التي تتشكل منها القصيدة. فاشتغاله الوظيفي لا ينغلق عند حدود الإسناد أو التعدية، بل ينفتح على إمكانات تخييلية متعددة، تتجاوز القاعدة إلى الرؤية.
من خلال هذا التحول، يصبح الضمير عنصرًا ديناميًا يربط بين مستويات القول، ويعيد توزيع الأدوار داخل الخطاب، بما يسمح بانتقال اللغة من مستوى الإخبار إلى مستوى الكشف.
² -- (الكاف والتشبيه): بناء الأنت بوصفه طيفًا دلاليًا
في سياقات متعددة، تتخذ الكاف هيئة التشبيه الضمني، حيث يُعاد تشكيل المخاطَب عبر صور مفتوحة على الحركة والانفلات:
كصهوة ريح
كموج شرود
كنفحة عطر
هنا، لا يُقدَّم “الأنت” بوصفه كيانًا ثابتًا، بل كـطيف دلالي تتقاطع فيه خصائص السرعة، والسيولة، والعطر، أي كل ما لا يُمسك إلا بالإحساس. وبهذا، يبني الضمير كينونته الإجرائية عبر الانسجام الدلالي بين الألفاظ، بما يوسع أفق التلقي، ويعمّق الأثر التخييلي للنص.
³ -- الحضور الحسي للغياب: (الكاف) كأثر وجودي
تتأسس العلاقة بين (أنا) و(أنت) داخل هذا المقطع على مبدأ الحضور في الغياب، حيث يصبح الغائب أكثر كثافة من الحاضر، ويتحول النداء إلى لمسٍ داخلي، لا إلى مجرد فعل لغوي. ويتجلى ذلك بوضوح في المقطع الشعري:
(حاضر في الغياب نفحة عطر )
(أتلمس أطيافك حولي كالضريرة )
(تينع في أوردة السنين )
( لك في بهو الروح شدو المنى )
هنا، لا تعود الكاف علامة إحالية فحسب، بل تتحول إلى أثر وجودي، يربط الذات بمرآتها الغائبة، ويجعل من التجربة الشعرية شكلًا من أشكال المعراج الداخلي، حيث تصعد اللغة لا لتصف، بل لتُقيم علاقة وجدانية عميقة مع ما لا يُرى.
⁴ -- خلاصة هذا المحور
يؤكد هذا المحور أن الاشتغال على عنصر لغوي دقيق، كحرف واحد، يمكن أن يفتح أفقًا تأويليًا واسعًا، ويمنح النص كثافته الرمزية. فالكاف في «لحظات معراج» ليست مجرد أداة، بل مفتاح قراءة، تُعيد عبره القصيدة صياغة علاقتها بالغياب، وبالآخر، وباللغة ذاتها.
【 المحور الثالث】 : التخفي بوصفه مبدأ أخلاقيًا
وجماليًا في التجربة الشعرية
يمارس النص نوعًا من التخفي الواعي، تخفٍّ لا ينبع من ضعف في القول، بل من ضغط أخلاقي داخلي يجعل الذات المبدعة في حالة شدّ دائم بين ما تريد الإفصاح عنه وما تضطر إلى كتمانه. هذا التخفي يجلد المشاعر الحرة التي تأبى الأنا الشاعرة أن تتنازل عنها، غير أن التزامها ببعض المعايير الأخلاقية يفرض عليها حدودًا صارمة، تُقيِّد حرية الإبداع وتكبت الأفكار القادرة على التعبير الصادق عن تجارب ذاتية مؤلمة، تظل منشطرة داخل
الذات، تاركة صداها العميق في النفس.
¹ -- إشكالية الخلل المفاهيمي بين اللفظ وبناء الصورة الشعرية
ينبني هذا الاشتغال النقدي على وعي بإشكال مفاهيمي دقيق، يتمثل في الخلل القائم بين اللفظ من جهة، والوحدات الفنية المكوِّنة للصورة الشعرية الواحدة من جهة أخرى. فالإشكال لا يكمن في المعنى بوصفه معطى جاهزًا، بل في كيفية تشكّله داخل البنية النصية، وفي العلاقة التي تنشأ بين العناصر اللغوية الدقيقة والبناء التخييلي العام للنص.
² -- حرف (الكاف) كأداة دلالية مهيمنة على البنية الشعرية
يبرز حرف (الكاف) نموذجًا دالًا على هذا الاشتغال البنيوي الدقيق، إذ يتحول من مجرد أداة تشبيه إلى عنصر دلالي يستحوذ على النص برمته. من خلال توظيفه ضمن تسلسل لغوي متماسك، يساهم في بناء صورة شعرية متكاملة، تتأسس على علاقات داخلية بين الكلمات، وتجعل من هذا الحرف رمزًا لعالم شعري قائم بذاته ومركزًا لعدد من بنيات النص.
³ -- الضمير بوصفه مركزًا بنيويًا ووجوديًا
لا يقتصر حضور الضمير على وظيفته النحوية، بل يتجاوزها إلى بعد وجودي عميق. فوجوده يمنح الحياة لما قبله وما بعده، ويضفي على الفعل الشعري قيمة دلالية كاملة. إن حذف هذا الضمير من البنية النصية يؤدي إلى انهيار العالم الشعري برمته، ويحوّل اللفظ إلى كيان أجوف يُحدث خللًا واضطرابًا دلاليًا، ويُفقد الصورة الشعرية توازنها الداخلي.
⁴ -- تجسيد الغائب وتحويله إلى مادة فنية
من خلال الضمير، يتم منح الغائب قيمة وجودية عبر تمثلات عاطفية تتشكل في الذهن، ثم تُجسَّد في صور فنية مبهرة. هذه الصور لا تعمل فقط على إمتاع القارئ، بل تمنح المبدع لحظة من الراحة النفسية أثناء التأمل، حيث يتحول الغائب إلى مادة فنية تذوب في لوحات شعرية متناسقة، تتكامل فيها الألوان، وتندمج الصور، وتتسق المعاني، وتفيض الحواس وهي تجوب فضاء الذاكرة.
( خذني ... احملني إلى سدرة المشتهى
إلى أفق رحب في حافة المنتهى )
⁵ -- إلغاء الذات المتكلمة وبناء أفق اللقاء الشعري
يُفضي هذا المسار إلى اتفاق ضمني بين متكلم يلغي ذاته المتكلمة لصالح الغائب، الذي يُعاد تشكيله بوصفه كائنًا شعريًا جديدًا، وملجأً لكل رسائل التعبير المؤجلة. هكذا يتحول اللقاء من مجرد أفق سردي إلى لحظة اكتمال شعري، يتجسد في المقطع الختامي بوصفه خلاصة وجدانية وجمالية للتجربة:
( هل لي بجناحيك تحملاني
إلى مجاري اللقاء وبحر الأمان
إلى مروج تقتلع انتظارًا طال )
【 المحور الرابع 】 الفوطقة بوصفها مسارًا إيقاعيًا داخل قصيدة <<لحظات معراج>>
عات [ ... ] أعتليه
أذكرك[ ... ]
هرعت [ ...] ركضت [...]
تمطط[...] تمدد [...]
يطرح هذا المقطع سؤالًا إجرائيًا دقيقًا: كيف يمكن تتبع مسار الفوطقة داخل قصيدة لحظات معراج؟ لا تُفهم الفوطقة هنا بوصفها علامة ترقيم معزولة، بل باعتبارها مسارًا إيقاعيًا يتحرك داخل النسيج الشعري، ويواكب تشكّل المعنى والصورة. إنها عنصر فاعل في إنتاج الزمن الشعري، وليست مجرد فاصل كتابي بين وحدات لغوية.
¹ -- الفوطقة وحالة الإصغاء العاطفي
يرتبط حضور الفوطقة بحالة فنية إصغائية ذات بعد عاطفي واضح. فهي تمثل فترة زمنية تستدعي التوقف، لا باعتباره انقطاعًا عن المعنى، بل بوصفه لحظة ضرورية لتجدد النفس وتجدد التأمل بعد الوقوف عند دلالة النبرات. بهذا المعنى، تُحوِّل الفوطقة فعل القراءة إلى فعل إصغاء، حيث يُطلب من القارئ أن يُنصت لما لا يُقال بقدر ما يُنصت لما يُقال.
² -- الزمن الشعري والتواصل المؤجَّل بين المتكلم والغائب
تُسهم الفوطقة في بناء محيط إيقاعي–زمني خاص، يتشكل أثناء ولادة الصور في الذاكرة. [...] هذا المحيط ناتج عن تواصل مؤجَّل بين المتكلم والغائب، حيث تتحول الفوطقة إلى علامة على الامتلاء الصامت، لا على الفراغ. إنها مساحة زمنية يتكثف فيها الشعور، وتُعاد فيها صياغة العلاقة بين الحضور والغياب داخل النص.
³ -- من السياق التبوغرافي إلى القاموس الإجرائي
يقترح هذا الاشتغال تجاوز الفهم التبوغرافي للفوطقة، أي النظر إليها بوصفها شكلاً بصريًا فقط، نحو إدماجها ضمن قاموس إجرائي يمتلك قابلية الاستخدام الدلالي. بهذا التحول، تصبح الفوطقة أداة صالحة لممارسة القراءة، وعنصرًا من عناصر التحليل، لا مجرد تفصيل شكلي في هندسة النص.
⁴ -- إشكالية الاعتراف بالفوطقة وحدود إنتاجيتها التعبيرية.
يصعب في السياق النقدي الراهن الاعتراف بالفوطقة، لأنها تشتغل وفق قواعد التجرد، ولا تمنح ضمانة إعادة إنتاج التعابير على نحو ثابت. ومع ذلك، فإن هذه الصعوبة لا تلغي قيمتها بوصفها أداة لتخزين المعارف الشعرية، حتى وإن ظلت خارج أنظمة الضبط اللغوي التقليدية. فهي تُراكم الدلالة دون أن تدّعي امتلاك صيغة معيارية نهائية.
⁵ -- الفوطقة بين الكتابة الصامتة والتشكيل الفني
تتخذ النقط [ … ] والأدوات المشابهة شكلاً كتابيًا في إنتاج النص، لكنها لا تملك صيغة صوتية مستقلة إلا من خلال إحالتها على أصلها، أو من خلال توظيفها داخل إطار فني تشكيلي، حيث يتم الاحتكاك بينها وبين مؤثرات أخرى كالهندسة واللون. في هذا الإطار، تكتسب الفوطقة بعدها السمعي عبر التفاعل، لا عبر النطق المباشر.
⁶ -- أفق مستقبلي: نحو الاعتراف بالفوطقة كصيغة صوتية دلالية
تتجه الرؤية المستقبلية لهذا التصور إلى الدعوة للاعتراف بالفوطقة بوصفها صيغة صوتية مندمجة في بنية الكتابة الشعرية، على غرار الضمائر والأدوات والحروف الموسيقية. فهي لا ينبغي أن تظل رسمًا تائهًا بين الرؤية الفنية والرؤية البصرية داخل النص، بل إطارًا دلاليًا صوتيًا صالحًا للتداول، وقادرًا على الإسهام في تغذية الفكر وتوسيع أفق القراءة. .
【 المحور الخامس 】 الإيقاع الصوتي والانسجام
السمعي
-- الوحدة الشعرية بوصفها نواة حسية للغياب
تتأسس الخاتمة على وحدة شعرية مكثفة تُعاد فيها صياغة الغياب لا بوصفه فقدًا، بل نفحة عطر، ومعزوفة داخلية، وخميلة ظل في عز الصهد، وشلال عطر في هجير البعد. هكذا يتحول الغياب من حالة سلبية إلى طاقة حسية، قادرة على إنتاج الجمال وتكثيف الشعور، بما يجعل الصورة الشعرية مجالًا لإعادة تملك الغياب لا لمجرد رثائه.
¹ -- الانسجام بين الطبيعة والإحساس: نفي التناقض بين اللفظ والمعنى
من خلال قراءة معمقة لهذه الوحدة، يتبدّى انسجام مزدوج: انسجام في مواد الطبيعة، وانسجام في الأحاسيس الإنسانية. هذا الالتحام يفند أي تناقض محتمل بين اللفظ ومعناه على المستوى الأفقي، حيث يصبح اللفظ امتدادًا للإحساس، لا قناعًا له. فالشعور بروعة الكون يقابله شعور موازٍ بروعة اللغة حين تُستعمل للتعبير عن القلق النابع من الغياب.
² -- البعد الأفقي للقصيدة: حين يتقدّم الجمال على التركيب
في هذا المستوى، يكتسب كل لفظ قوة تعبيرية ناتجة عن تكاثف المونيمات المتشابهة داخل النص، ما يمنحه دقة دلالية عالية. هنا، لا تعود الصيغة مجرد تركيب لغوي، بل تتحول إلى حامل للجمال، حيث يتقدّم الإحساس الجمالي على البنية النحوية، ويغدو الإيقاع جزءًا من المعنى لا زينة له.
³ -- البعد العمودي: القافية بوصفها اختيارًا جماليًا واعيًا
أما على المستوى العمودي، فتُظهر القصيدة وعيًا دقيقًا في اختيار الحروف الموظفة في القوافي. هذا الاختيار ليس اعتباطيًا، بل تحكمه مبررات جمالية تقوم على الاتزان في النبرة، والتوافق في التشابه، والتجانس في المنطوق، عبر تكرار حروف متقاربة المخارج، بما يضمن استمرارية الإيقاع الداخلي للنص.
⁴ -- الانسجام الصواتي بين المخارج: من التنافر الظاهري إلى التآلف السمعي
يتجلى هذا الانسجام في نماذج مثل:
(التيه / أعتليه)،
حيث يتحقق توازن صواتي بين أصوات غارية مجهرّة طويلة، وأخرى حنجرية احتكاكية مهموسة مرققة. هذا التداخل الصوتي يُنتج تناغمًا سمعيًا يثري البنية الإيقاعية للقصيدة، ويمنحها عمقًا موسيقيًا غير مباشر.
⁵ -- التكرار الصوتي وتوليد الموسيقى الحسية
يتعزز هذا البعد في سلاسل لفظية من قبيل:
(الهجيرة – الظهيرة – الضفيرة – القريرة – المريرة – الضريرة)،
حيث يولد التكرار الصوتي لحرفي [الياء] و[الراء] تناسقًا صواتيًا واضحًا. هذا التناسق يخلق نوعًا من الدندنة أو الموسيقى الحسية، التي يرددها المبدع في غياب المتلقي، وكأن الصوت هنا يسبق التلقي ويؤسسه.
⁶ -- الإيقاع الصواتي القوي وتكثيف الإحساس الشعري
ويزداد الإيقاع كثافة في ألفاظ مثل:
(الخيبات – الأنات – الانتكاسات – البسمات – الآهات – الشلالات – الحسرات)،
حيث يُحدث التجانس الصواتي، ولا سيما في لاحقة [ات]، تأثيرًا إيقاعيًا قويًا. هذا التأثير لا يعمّق الموسيقى الشعرية فحسب، بل يدفع القارئ إلى تذوق جمال اللفظ وعظمة المعنى في آن واحد، في انسجام تام بين الصوت والتنغيم.
⁷ -- التجانس الصواتي بوصفه مبدأً خاتميًا في بناء النص
حتى في الألفاظ التي قد توحي ظاهريًا بالتباعد، مثل:
(عطر – طير – فجر – كدر – أبتر – العمر – الجدر)،
يتكشف وجود تماثل نغمي ناتج عن تقارب بعض المخارج الصواتية، خاصة في [ر] اللثوي الترديدي المجهور و[د] الأسناني اللثوي الوقفي المجهور. هذا التماثل يؤكد أن التجانس السمعي مبدأ بنائي عميق في القصيدة، لا مجرد صوتية.
الشاعر والناقد : محمد زغلال
